ابن أبي الحديد

55

شرح نهج البلاغة

المسلمين ، وليس له وارث إلا الله والمسلمون ، وأنا إمامكم وقد عفوت ، أفتعفون عن عبيد الله ابن خليفتكم بالأمس ؟ قالوا : نعم ، فعفا عنه ، فلما بلغ ذلك عليا تضاحك ، وقال : سبحان الله ! لقد بدأ بها عثمان ! أيعفو عن حق امرئ ليس بواليه ! تالله إن هذا لهو العجب ! قالوا : فكان ذلك أول ما بدا من عثمان مما نقم عليه . قال الشعبي : وخرج المقداد من الغد ، فلقى عبد الرحمن بن عوف ، فأخذ بيده ، وقال : إن كنت أردت بما صنعت وجه الله ، فأثابك الله ثواب الدنيا والآخرة ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فأكثر الله مالك . فقال عبد الرحمن : اسمع ، رحمك الله ، اسمع ! قال : لا أسمع والله ، وجذب يده من يده ، ومضى حتى دخل على علي عليه السلام ، فقال : قم فقاتل حتى نقاتل معك ، قال على : فبمن أقاتل رحمك الله ! وأقبل عمار بن ياسر ينادى : يا ناعي الاسلام قم فانعه * قد مات عرف وبدا نكر أما والله لو أن لي أعوانا لقاتلتهم ، والله لئن قاتلهم واحد لأكونن له ثانيا . فقال على : يا أبا اليقظان ، والله لا أجد عليهم أعوانا ، ولا أحب أن أعرضكم لما لا تطيقون . وبقى عليه السلام في داره ، وعنده نفر من أهل بيته ، وليس يدخل إليه أحد مخافة عثمان . قال الشعبي : واجتمع أهل الشورى على أن تكون كلمتهم واحدة على من لم يبايع ، فقاموا إلى علي ، فقالوا : قم فبايع عثمان ، قال : فإن لم أفعل ، قالوا : نجاهدك ، قال : فمشى إلى عثمان حتى بايعه ، وهو يقول : صدق الله ورسوله . فلما بايع أتاه عبد الرحمن بن عوف ، فاعتذر إليه ، وقال : إن عثمان أعطانا يده ويمينه ، ولم تفعل أنت ، فأحببت أن أتوثق للمسلمين ، فجعلتها فيه ، فقال : أيها عنك ! إنما آثرته بها لتنالها بعده ، دق الله بينكما عطر منشم ( 1 ) .

--> ( 1 ) منشم : امرأة عطارة من خزاعة ، فتحالف قوم فأدخلوا أيديهم في عطرها على أن يقاتلوا حتى تموتوا ، فضرب ذلك مثلا لشدة الامر .